نحمل النعمة إلى الناس كما حملت الجماعة المخلع إلى يسوع

عظة الاب ميشال عبود في قداس أحد المخلع 30 آذار 2025
عائلة كاريتاس: معًا في قلب الكنيسة
نحن اليوم، كعائلة كاريتاس، نحتفل معًا في الرعايا كافة، وفي جميع أقاليم لبنان، بهذه المناسبة المباركة التي تجمعنا تحت راية واحدة هي المحبة والخدمة. إنّ ما نعيشه اليوم هو أكثر من مجرد احتفال؛ إنه تجديد لانتمائنا إلى الله ومن خلاله إلى الآخر، وتجديد لإيماننا برسالة كاريتاس في قلب الكنيسة والمجتمع.

الاحتفال بأحد المخلّع: اللقاء مع الكلمة
نحن نحتفل اليوم بأحد المخلّع، هذا الأحد الذي يذكّرنا بمن نحن: نحن الذين نقوم وننهض بقوة الكلمة، وبقوة الإيمان. ففي كل قدّاس، نحن لا نكتفي بالطقس والصلوات، بل نقف أمام الله ليكلّمنا من خلال كلمته.
إنّ الكتاب المقدّس، سواء في قراءاته من العهد القديم، أو من الرسائل، أو من الإنجيل، ليس مجرّد نصوص نسمعها كل أحد، بل هو صوت الله الحيّ، الذي يريد أن يروي عطشنا ويغذّي أرواحنا. ولكن كما أن نقطة الماء تحتاج إلى أرض طيبة لتثمر، كذلك كلمة الله تحتاج إلى قلوب مفتوحة لكي تثمر فيها الحياة.

الله يكلمنا… ولكن هل نفتح له الباب؟
الله لا يفرض نفسه، بل ينتظر، كما قال في سفر الرؤيا: “ها أنا واقف على الباب أقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشّى معه وهو معي.”
كل لقاء مع الله هو دعوة لفتح أبواب القلب. ولو لم تكن أبواب قلوبنا مفتوحة، لما كنّا هنا. الله الذي لا نراه، يكلمنا بطرق قد لا نراها بأعيننا، لكن نلمسها في أعماقنا.

حاجة الإنسان اليوم: أكثر من خبز
الناس في أيامنا هذه لا تحتاج فقط إلى الخبز والماء والنوم، بل هي في حاجة إلى كلمة تعطيها معنى، إلى رجاء يعيد إليها الحياة. نحن في لبنان لا نعرف أحداً مات من الجوع، لكننا نعرف كثيرين فقدوا حياتهم بسبب اليأس، الذي قادهم الى الانتحار.
الشيطان جَرَّب يسوع وقال له: “حوِّل الحجارة إلى خبز.” لكن يسوع أجابه: “ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله.”
كلمة الله وحدها تُنعِش الداخل، وتُقوّي النفس، وتُثبّت العقل والقلب في مواجهة كل المصاعب.

الإيمان الحقيقي: عملٌ يحمل الآخر
في إنجيل المخلّع، لا نرى فقط مريضًا وشفاءً، بل نرى جماعة تحمل شخصًا نحو يسوع. هذه الجماعة هي صورة كاريتاس، التي تحمل نعمة الله للآخرين، وتُسرع لملاقاة المحتاجين.
كم من مرة سمعنا الفقير يقول لنا: “الله أرسلكم لي.”
نحن لا نعطي من فائضنا فقط، بل نكون أداة بين يدي الله، نحمل بركته، ونفتح أبواب الرحمة.

العطاء في كاريتاس: بين يدين ممتدتين
في كاريتاس، نمدّ يدين:
اليد الأولى نمدّها إلى كل إنسان يرغب في فعل الخير، لنعطيه فرصة أن يحبّ ويعطي.
واليد الثانية نمدّها إلى كل فقير يطرق بابنا، لنقول له: “لسنا وحدنا نرغب في مساعدتك، بل هناك من يُحبّك ويريد أن يُعبّر عن ذلك من خلالنا.”
هل نستطيع أن نكفي الجميع؟ لا. لكن الكنيسة، كالأم، تعطي كل ما تملك لأولادها. وهذا ما نفعله منذ 52 سنة، وما سنستمر في فعله بإيمان وثقة بأن يد الله معنا.

الإيمان يُرى في الأعمال
يسوع رأى إيمان الجماعة من خلال ما فعلوه، لأن الإيمان يُعرَف من ثماره. هو الذي قال: “من ثمارهم تعرفونهم.”
وهكذا، يجب أن يكون نور أعمالنا الصالحة مرئيًا، لا لمجدنا الشخصي، بل لمجد الله.
“ليضئ نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات.”
فما يُعمل من أجل مجد الله، هو عمل يهيّئ للسماء، أما ما يُعمل من أجل المجد الشخصي، فمصيره الزوال والخيبة.

من الفراش إلى الشهادة: اختبار الحضور الإلهي
قال يسوع للمخلّع: “قم واحمل فراشك وامشِ.”
هذا الفراش، الذي كان علامة مرضه، صار علامة نهوضه. كان هو محمولًا، فصار هو من يحمل.
وهكذا، كل ألم نمرّ به، كل صليب نحمله، يمكن أن يصير علامة على حضور الله في حياتنا، إذا سلّمنا أمرنا له.

رسالة شكر ومحبة
باسم عائلة كاريتاس نتوجّه بالشكر إلى كل من يحمل شعلة المحبة معنا نحن عائلة واحدة، نعمل بقلب واحد، ويد واحدة، لأن الله حاضر معنا، وسيبقى معنا، له المجد إلى الأبد.
آمين.